قصص وأصوات من العلا

في جوهره، يجمع مشروع «صرخات في الصحراء» بين الحوارات والموسيقى والمكان ليعكس تجارب الأشخاص المرتبطين بالعلا.

Photo by Musson+Retallick Limited
Photo by Musson+Retallick Limited

تُعدّ العلا مكانًا تشكّل عبر قرون طويلة من التواصل الإنساني والحركة والتبادل. وقد ازدهرت تاريخيًا بفضل خمسةٍ وأربعين نبعًا طبيعيًا كانت تغذّي الواحة الواقعة على طريق البخور القديم، فوفّرت الماء والظل والراحة للمسافرين الذين يعبرون هذه المنطقة. وإلى جانب مناظرها الطبيعية المعروفة وتراثها الأثري الغني، تعيش في العلا أيضًا أصوات الحياة اليومية، وموسيقى الناس، وذكريات المجتمعات التي تسكنها اليوم.

يسعى مشروع «أصوات في الصحراء» إلى إبراز هذه المنظورات من خلال ممارسة فنية تعاونية. وقد أبدع المشروع الفنانان الدوليان نيل موسون وجونو ريتاليك، بالتعاون مع صانع الأفلام جون بيلبروه والفنان السعودي محمد الحسيني، حيث يستكشف المشهد الثقافي للعلا عبر الصوت والصورة والتفاعل المجتمعي. وقد حظي المشروع بدعم المجلس الثقافي البريطاني في المملكة العربية السعودية وفنّ العلا، وعُرض خلال مهرجان فنون العلا في شكل معرض غامر وتجربة سينمائية.

وفي جوهره، يجمع مشروع «صرخات في الصحراء» بين الحوارات والموسيقى والمكان ليعكس تجارب الأشخاص المرتبطين بالعلا.

الإصغاء إلى العلا

بدلًا من التركيز فقط على المعالم الأثرية أو الرموز التراثية، أمضى الفنانون وقتًا في لقاء سكان المنطقة، من مزارعين وموسيقيين وكبار السن وطلاب وحرفيين. وقد جرت هذه اللقاءات في المنازل والمزارع والفضاءات المجتمعية، حيث أتاح الحوار للمشاركين فرصة مشاركة قصصهم الشخصية عن علاقتهم بالعلا وتطلعاتهم لمستقبلها. وكانت هذه اللقاءات هي الأساس الذي بُني عليه العمل الفني.

يوثّق المشروع الروايات الشفوية والحوارات اليومية والموسيقى التقليدية، ويقدّمها إلى جانب مشاهد مصوّرة من البيئة المحيطة. وتكشف هذه العناصر مجتمعة طبقات من الحياة قد لا يلتفت إليها كثيرون، بدءًا من إيقاع العمل الزراعي وصولًا إلى دفء اللقاءات العائلية والذكريات التي تنتقل بين الأجيال.

ولذلك فإن العمل لا يقتصر على التوثيق فحسب، بل يمثّل قراءة فنية تشكّلت عبر الحوار مع المجتمع المحلي.

ست حكايات… ومشهد واحد

يتكوّن الجانب السينمائي من مشروع «صرخات في الصحراء» من ست لوحات فيلمية قصيرة، تشكّل معًا تجربة تمتد لنحو ثلاثين دقيقة تستكشف البيئة الطبيعية والثقافية للعلا.

وترتبط كل لوحة بمرحلة من مراحل نمو ثمرة النخيل، في بنية رمزية تعكس طبقات الحياة في الواحة. وتنتقل هذه المشاهد من «ما تحت السطح»، الذي يرمز إلى الينابيع التي تمنح الحياة تحت الأرض، مرورًا بالمسارات والأصوات والأشجار، وصولًا إلى الجبال والسماء.

ومن خلال هذا البناء، يربط الفنانون بين الطبيعة والمجتمع والتراث، موضحين كيف تتشكّل العلاقة بين المكان والإنسان عبر الزمن.

أصوات تتجلّى عبر التعاون

من أبرز لحظات المشروع تسجيل أربع عشرة سيدة وهنّ يؤدين موسيقى تقليدية لم يسبق تسجيلها أو عرضها علنًا.

وعلى مدى أجيال، كانت هذه الأغاني تُتداول في نطاق خاص بين النساء، تنتقل من الأمهات إلى البنات. وقد أسهمت مشاركتهن في المشروع في حفظ هذا التراث الموسيقي، كما كشفت عن جانب فريد من التراث الموسيقي في العلا، بما في ذلك استخدام آلة الهارمونيكا كآلة رئيسية في الأداء. وتعبّر هذه التسجيلات عن فرحة الأداء وأهمية الحفاظ على الذاكرة الثقافية.

معرض في قلب البلدة القديمة

خلال مهرجان فنون العلا، قُدّم المشروع في صورة تركيب فني غامر داخل منزل تقليدي مبني بالطين في البلدة القديمة بالعلا. وتنقّل الزوار بين غرف ضمّت عروضًا سينمائية متعددة الشاشات وتركيبات صوتية محيطية وتصميمات مستوحاة من العمارة التاريخية للمكان.

في إحدى الغرف، استمع الزوار إلى أصوات المزارعين وهم يتحدثون عن الأرض والتراث، بينما أتاحت غرفة أخرى تجربة الإصغاء إلى موسيقى النساء في فضاء حميمي. وقد عكست التركيبات الفنية تفاصيل البيئة المعمارية المحيطة، حيث التقت الفنون المعاصرة مع عناصر الثقافة المادية للمنطقة.

وقد استقطب المعرض آلاف الزوار خلال فترة المهرجان، وجمع جمهورًا متنوعًا من خلفيات وجنسيات مختلفة.


Image
Photo by Musson+Retallick Limited

مشروع يترك أثرًا

جاءت ردود الفعل من الجمهور المحلي مؤثرة وعميقة. فقد عبّر العديد من الزوار عن أن المشروع أتاح لهم رؤية تراثهم من منظور جديد، لا بوصفه تاريخًا بعيدًا فحسب، بل بوصفه ثقافة حيّة تتشكّل من التجارب اليومية.

كما شعر بعضهم بأن سماع اللهجات المحلية والحوارات المألوفة في سياق فني أضفى إحساسًا بالانتماء والفخر. وأشار أحد المشاركين المحليين بعد مشاهدة العرض إلى أن العمل بدا أصيلًا ومتجذرًا في هوية العلا، وهو أمر نادر في الأعمال التي يقدمها فنانون من خارج المنطقة.

حوار بين الثقافات

إلى جانب مخرجاته الفنية، يمثّل مشروع «صرخات في الصحراء» نموذجًا مهمًا للتعاون الثقافي بين المبدعين السعوديين والدوليين.

ومن خلال منصة Saudi Now، جمع المشروع فنانين ومؤسسات ثقافية ومجتمعات محلية لاستكشاف الدور الذي يمكن أن تلعبه الفنون في بناء جسور التواصل عبر الحدود. ومن خلال الجمع بين الممارسة الفنية المعاصرة والأصوات المحلية والتقاليد الثقافية، يبرز المشروع كيف يمكن للتبادل الثقافي أن يفتح آفاقًا جديدة مع احترام التراث.

نظرة إلى المستقبل

لا تنتهي رحلة «صرخات في الصحراء» في العلا.

إذ يجري العمل على عرض الفيلم دوليًا وتقديم المعرض في فضاءات ثقافية أخرى، بما يوسّع دائرة الوصول إلى القصص التي بدأت من هذه المنطقة.

وبالنسبة للفنانين والمجتمعات التي شاركت في المشروع، فإن هذه المبادرة تمثل بداية حوار مستمر، يحتفي بالمكان والتقاليد والأصوات التي تسهم في تشكيل هوية العلا اليوم.


انظر أيضًا