تدعم منح العلا الثقافية، التي يقدّمها المجلس الثقافي البريطاني بالشراكة مع الهيئة الملكية لمحافظة العلا، المبادرات التي تعزز التبادل الثقافي والتطوير المهني بين المملكة المتحدة والمملكة العربية السعودية. ومن بين المشاريع التي حظيت بالدعم من خلال هذا البرنامج مدرسة العلا الميدانية لفنون النقوش الصخرية، وهي الأولى من نوعها في المملكة، وقد صُممت لتزويد الطلبة والمتخصصين في التراث بالمهارات العملية اللازمة لدراسة النقوش الصخرية وحفظها.
أُقيمت المدرسة الميدانية في الفترة من 12 إلى 21 أكتوبر 2025، وجمعت أربعة طالبات سعوديات ومتخصصين اثنين من الهيئة الملكية لمحافظة العلا في مجال التراث، إلى جانب طالب دراسات عليا من جامعة درهام في المملكة المتحدة. وقادت البرنامج المتخصصة في فنون النقوش الصخرية الدكتورة ماريا غواجنين، حيث جمع البرنامج بين العمل الميداني المكثف والجلسات النظرية لتقديم مقدمة شاملة للتقنيات والمنهجيات المستخدمة في توثيق النقوش الصخرية.
تدريب عملي في الميدان
تلقى المشاركون تدريبًا على مجموعة واسعة من التقنيات، من بينها توثيق النقوش الصخرية وتحليلها، والتسجيل ثلاثي الأبعاد، واستخدام المجهر، ورسم الخرائط، وتقنيات التتبع. كما تناولت الجلسات الصفية السياق الأثري، وتنظيم البيانات، وإدارة البحث العلمي، بينما أتاحت الأنشطة الميدانية للمشاركين تطبيق هذه الأساليب في مواقع حقيقية.
وبالنسبة لمعظم المشاركين، كانت هذه المهارات جديدة تمامًا. فمن بين المشاركين الستة، لم يسبق لخمسة منهم توثيق النقوش الصخرية ميدانيًا، كما لم يمتلك أي منهم خبرة سابقة في جمع البيانات، أو أساليب التأريخ، أو استخدام المجهر، أو النمذجة ثلاثية الأبعاد، أو الأساليب التجريبية مثل تحليل الأدوات وإعادة إنتاج النقوش الصخرية.
وأبرزت ملاحظات المشاركين قيمة النهج التطبيقي للبرنامج. فقد أشار اثنان منهم إلى أنهم كانوا يبحثون سابقًا عن فرص تدريبية لاكتساب هذه المهارات دون أن يجدوا برامج محلية متخصصة. كما قامت إحدى الطالبات بتطبيق التقنيات التي تعلمتها مباشرة في بحث الدكتوراه الخاص بها، وقدمت نتائجها إلى قائدة البرنامج للحصول على الملاحظات العلمية.
الحفاظ على التراث وفهم المشهد الطبيعي
ركّز البرنامج كذلك على أهمية حماية مواقع التراث. فقد تعلّم المشاركون كيفية التعامل بعناية مع المواد المختلفة المرتبطة بالنقوش الصخرية، مثل الرواسب الرملية المحيطة بها، والتي تتطلب معالجة دقيقة لأغراض التأريخ والحفظ.
ويسهم هذا الفهم في دعم جهود الحفظ الأوسع في المنطقة، ويضمن بقاء التراث المحلي متاحًا لأغراض البحث العلمي والتفاعل المجتمعي.
وقد أسهم التدريب في تعزيز القدرات الأكاديمية والمهنية للمشاركين، كما أتاح لهم فهمًا أعمق لقضايا الحفظ والمهارات البحثية وفرص التطور المهني.
تبادل المعرفة والإرشاد الأكاديمي
أدّى طالب الدراسات العليا من جامعة درهام دورًا مهمًا في التدريس والإرشاد خلال المدرسة الميدانية. فقد قدّم محاضرة حول منهجيات دراسة النقوش الصخرية في أوروبا، موضحًا كيف يمكن تكييف هذه المقاربات لتناسب السياق الخاص بالنقوش الصخرية في المملكة العربية السعودية.
كما ستُوثَّق الحفريات الاختبارية التي أُجريت خلال البرنامج في ورقة علمية، ستُعدّ أول منشور أكاديمي للطالب. وسيواصل التعاون مع قائدة المشروع والمشاركة في أبحاث مستقبلية، مما يمدد أثر المدرسة الميدانية إلى ما بعد فترة التدريب التي استمرت عشرة أيام.
برنامج تجريبي لتدريب التراث في المستقبل
صُممت مدرسة العلا الميدانية لفنون النقوش الصخرية بوصفها برنامجًا تجريبيًا يمهد الطريق لإنشاء مدارس ميدانية مماثلة في المنطقة. وقد أظهرت المبادرة أن الأساليب المستخدمة في سياقات أخرى لا تكون دائمًا ملائمة للمشهد الخاص بالنقوش الصخرية في المملكة، مما يؤكد أهمية تطوير برامج تدريبية تتناسب مع السياق المحلي.
كما أولى البرنامج اهتمامًا خاصًا بدعم الطالبات، اللواتي غالبًا ما تتاح لهن فرص أقل للمشاركة في التدريب التقني الميداني. ومن خلال تزويد الطلبة المحليين بأحدث المهارات، يصبح بإمكانهم نقل المعرفة إلى مجتمعاتهم، والمساهمة في حماية مواقع النقوش الصخرية وتعزيز الوعي بقيمتها الثقافية.